الشيخ محمد رشيد رضا
89
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
محسنا على الدوام وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام * فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء اللّه وصفاته يفتح لك بابا من أبواب معرفته ومحبته يوضحه الوجه الثالث عشر - وهو قول أعلم خلقه به وأعرفهم بأسمائه وصفاته « والشر ليس إليك » ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتب به إليك . بل الشر لا يضاف اليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه فان ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه وصفاته كلها صفات كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لا شر فيها بوجه ما وأسماؤه كلها حسنى فكيف يضاف الشر اليه ؟ بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعوله ففعله خير كله وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف اليه وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقل أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله وانما نفى اضافته اليه وصفا وفعلا واسما * وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها « 1 » واما الخير فهو الايمان والطاعات وموجباتها « 1 » والايمان والطاعات متعلقة به سبحانه ولأجلها خلق خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه وهي ثناء على الرب واجلاله وتعظيمه وعبوديته وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم آثارها بدوام متعلقها . وأما الشرور فليست مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي مفعولات قدرت لامر محبوب وجعلت وسيلة اليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الامر إلى الخير المحض الوجه الرابع عشر - أنه سبحانه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء فليس شيء من الأشياء الا وفيه رحمته ولا ينافي هذا أن يرحم العبد بما يشق عليه ويؤلمه وتشتد كراهته له فان ذلك من رحمته أيضا كما تقدم ، وقد ذكرنا حديث أبي هريرة آنفا وقوله تعالى لذينك الرجلين « رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار » وقد جاء في بعض الآثار ان العبد إذا دعا لمبتلى قد اشتد بلاؤه وقال اللهم
--> ( 1 ) الموجبات بفتح الجيم ما يترتب على الايمان والكفر وأعمال الخير والشر من الجزاء بايجاب اللّه وحكمه